٢.١ الموعظة الحسنة


تعريف الموعظة، ومن يصلح للوعظ؟

الموعظة مصدر قولهم: وعظ يعظ: وهو من مادة الواو والعين والظاء، التي تدل على التخويف، والعظة الاسم منه.
وقال الخليل: العظة الموعظة، يقال: وعظت الرجل أعظه عظةً، وموعظة واتعظ تقبَّل العظة: وهو تذكيرك إياه الخير، ونحوه مما يرق له قلبه، وقال الجوهري: الوعظ النصح والتذكير بالعواقب، تقول: وعظته وعظًا وعظة فاتعظ، وفي الحديث الشريف: ((يأتي على الناس زمان يستحل فيه الربا بالبيع والقتل بالموعظة)) والمعنى في ذلك أن يقتل البريء؛ ليتعظ به المريب. وقال ابن منظور: الوعظ والعِظة والعَظة والموعظة النصح، والتذكير بالعواقب، قال ابن سيده: هو تذكيرك للإنسان بما يلين قلبه من ثواب وعقاب، وقد وعظه وعظًا وعظة، واتعظ هو قبل الموعظة.
ويقال: "السعيد من وعظ بغيره، والشقي من اتعظ به غيره".
واصطلاحًا: قيل: هو التذكير بالخبر فيما يرق له القلب، وقال الراغب: الوعظ زجر مقترن بتخويف، والموعظة هي الكلمة الطيبة التي تخرج من فم الداعية بإخلاص وصدق، لتدخل عقول الناس برفق، وتتعمق مشاعرهم بلطف، وهي: القول الحسن الذي يلمس القلوب؛ فترق به، ويخالط النفوس فتهش له، وتفرح به، ويحمل للناس البشرى، ويأخذ بأيديهم إلى طريق الحق والصواب، وهي البلسم الشافي يداوي الجراح، ويخفف الآلام فيعود المدعو شخصًا جديدًا، قد نفض عنه غبار المعاصي والآثام، التي طالما كبلته بقيود الذلة والصغار؛ لينطلق إلى حياة العزة والكرامة في ظل طاعة الله -عز وجل- والالتزام بمبادئ الإسلام وقيمه. وبعد الحديث عن تعريف الموعظة في اللغة وفي الاصطلاح ننتقل للحديث عن نقطة أخرى تحمل عنوان: من يصلح للوعظ؟


٢.١ الموعظة الحسنة


والواقع أنه ليس كل الناس يصلح لوعظ العامة، وإرشادهم وإنما يقتصر ذلك على طائفة من العلماء، الذين أشار إليهم الراغب عندما قال: حق الواعظ أن تكون له مناسبة إلى الحكماء؛ ليقدر عن الاقتباس عنهم والاستفادة منهم، ومناسبة إلى الدهماء -أي: إلى العامة- حتى يقدروا منها على الأخذ منه، ومثل ذلك كمثل الوزير للسلطان؛ إذ يجب فيه -أي: الوزير- أن يكون متخلقًا بأخلاق الملوك، وأن يكون له تواضع السوقة؛ ليصلح أن يكون واسطة بينه وبينهم.
فإذًا حق الواعظ أن تكون له نسبة إلى الحكيم، ونسبة إلى العامة، يأخذ من الحكيم ويعطيهم، إذًا فلا يصلح للوعظ كل الناس، إنما يصلح من كان على هذا الشكل، وتوافرت فيه هذه الصفات.
أمَّا الحالة التي يجب أن يكون عليها الواعظ، فقد قال الراغب: حق الواعظ أن يتعظ ثم يعظ، ويبصر ثم يبصر، ويهتدي ثم يهدي، ولا يكون كدفتر يفيد ولا يستفيد، ويجب ألا يجرح مقاله بفعاله، وألا يكذب لسانه بحاله، فيكون ممن وصفهم الله تعالى بقوله: ((وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْفَسَادَ)) [البقرة: ٢٠٤، ٢٠٥] ونحو ما قال علي بن أبي طالب -رضي الله عنه-: "قصم ظهري رجلان؛ جاهل متنسك، وعالم متهتك، فالجاهل يغر الناس بتنسكه، والعالم ينفرهم بتهتكه". والواعظ ما لم يكن مع مقاله فعاله، لا ينتفع به, وذلك أن عمله يدرك بالبصر, وعلمه يدرك بالبصيرة، وأكثر الناس هم أصحاب الأبصار دون البصائر.


٢.١ الموعظة الحسنة


فيجب أن تكون عنايته بإظهار عمله الذي يدركه جماعتهم، أكثر من عنايته بالعلم الذي لا يدركه سوى أصحاب البصائر منهم، وكما أنه محال أن ينطبع الطين بما ليس منتقشًا في الطابع، كذلك محال أن يحصل في نفس الموعوظ ما ليس بموجود في نفس الواعظ، فإذا لم يكن الواعظ إلا ذا قول مجرد من الفعل، لم يتلقَّ عنه الموعوظ إلَّا القول دون الفعل.
وأيضًا فإنه الواعظ يجري من الناس مجرى الظل من ذي الظل، فكما أنه محال أن يعوج ذي الظل والظل مستقيم، كذلك من المحال أن يعود الواعظ والموعوظ مستقيم، وكذلك النار والأرض والهواء، فالواعظ إذا كان غاويًا جرَّ بغيِّه غيره إلى نفسه، ولهذا حكى الله تعالى عن الكفار قوله: ((رَبَّنَا هَؤُلاءِ الَّذِينَ أَغْوَيْنَا أَغْوَيْنَاهُمْ كَمَا غَوَيْنَا)) [القصص: من الآية: ٦٣] وقال -عز وجل-: ((فَأَغْوَيْنَاكُمْ إِنَّا كُنَّا غَاوِينَ)) [الصافات: ٣٢] ومن ثم فمن ترشح للوعظ ثم فعل فعلًا قبيحًا اقتدى به غيره، فقد جمع بين وزره ووزرهم، كما قال تعالى: ((لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ)) [النحل: من الآية: ٢٥] وقال سبحانه: ((وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالاً مَعَ أَثْقَالِهِمْ)) [العنكبوت: من الآية: ١٣].
وقد قال -صلى الله عليه وسلم-: ((من سن سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة)) بل قد قال الله عز وجل: ((أَلا سَاءَ مَا يَزِرُونَ)) [الأنعام: من الآية: ٣١].


٢.١ الموعظة الحسنة


حديث القرآن عن الموعظة الحسنة، ومتى ينتفع بها

وقد دعا القرآن الكريم إلى استخدم الموعظة الحسنة في ميدان الدعوة إلى الله عز وجل حين قال سبحانه: ((ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ)) [النحل: من الآية: ١٢٥] وقبل أن نمضي متجاوزين هذه النقطة، نود أن نقف قليلًا عند هذه الآية الكريمة؛ لنبين أمرين اثنين:
الأول: إذا كانت الآية الكريمة قد أشارت إلى أساليب الدعوة، من خلال الحكمة والموعظة الحسنة، والمجادلة بالتي هي أحسن؛ فإن هذه الأساليب تعد الجوهر الأساسي للدعوة، ولكنها في ذات الوقت لا تمثل كل الأساليب التي يجب على الداعية استعمالها في مجال الدعوة إلى الله تعالى، ذلك أن من الأساليب ما يتصل بتحريك الشعور والوجدان، ومنها ما يتعلق بمخاطبة العقل والفكر، ومنها ما يرتبط بالحس والتجارب الإنسانية؛ ولذلك كان حصر أساليب الدعوة إلى الله -عز وجل- أمرًا صعبًا جدًّا؛ لتنوعها وكثرتها. إلا أننا نجد لجميع الأساليب الدعوية تقريبًا استخدامات في القرآن الكريم، وفي السنة النبوية المطهرة، ولا يكاد يخلو منها نص قرآني، أو حديث نبوي.
وأما الأمر الثاني: فهو أن أسلوب الحكمة، إذا كان هو الأسلوب الذي يضع الشيء موضعه، فإنه بذلك يكون شاملًا لجميع الأساليب الدعوية من هذا الوجه، ومن ثم فالموعظة الحسنة تحتاج إلى الحكمة، ...

٢.١ الموعظة الحسنة


... وذلك حين يختار لها الداعية الموقف المناسب في الوقت المناسب، وفي المكان المناسب، ويصوغها بالقدر المناسب للمدعوين الذين تناسبهم هذه الموعظة، وكذلك الحال بالنسبة للمجادلة بالتي هي أحسن، بل وبالنسبة لكل الأساليب الدعوية الأخرى.
ويقول ابن القيم: وإنما ينتفع بالعظة بعد حصول ثلاثة أشياء: شدة الافتقار إليها، والعمى عن عيب الواعظ، وتذكر الوعد والوعيد، وإنما يشتد افتقار العبد إلى العظة: وهي الترغيب والترهيب، إذا ضعفت إنابته وتذكره، وإلَّا فمتى قويت إنابته وتذكره لم تشتد حاجته إلى التذكير والترغيب والترهيب، ولكن تكون الحاجة منه شديدة إلى معرفة الأمر والنهي.
والعظة يراد بها أمران: الأمر والنهي المقرونان بالرغبة والرهبة، ونفس الرغبة والرهبة، فالمنيب المتذكر شديد الحاجة إلى الأمر والنهي، والمعرض الغافل شديد الحاجة إلى الترغيب والترهيب.
والمعارض المتكبر: شديد الحاجة إلى المجادلة. فجاءت هذه الثلاثة في حق هؤلاء الثلاثة، في قوله -عز وجل-: ((ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ)).
وأما العمى عن عيب الواعظ؛ فإنه إذا اشتغل به حرم الانتفاع بموعظته؛ لأن النفوس مجبولة على عدم الانتفاع بكلام من لا يعمل بعمله، ولا ينتفع به، وهذا بمنزلة من يصف له الطبيب دواءً لمرض به مثله، والطبيب معرض عنه غير ملتفت إليه، بل الطبيب المذكور عندهم أحسن حالًا من هذا الواعظ المخالف لما يعظ به؛ لأنه قد يقوم دواء آخر عنده مقام هذا الدواء، وقد يرى أن به قوة على ترك التداوي، وقد يقنع بعمل الطبيعة وغير ذلك، بخلاف هذا الواعظ فإن ما يعظ به طريق معين للنجاة، لا يقوم غيرها مقامها.


٢.١ الموعظة الحسنة


وأما تذكر الوعد والوعيد: فإن ذلك يوجب خشيته والحذر منه، ولا تنفع الموعظة إلا لمن آمن به، وخافه ورجاه، قال تعالى: ((إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِمَنْ خَافَ عَذَابَ الآخِرَةِ))[هود: من الآية: ١٠٣] وقال عز وجل: ((سَيَذَّكَّرُ مَنْ يَخْشَى)) [الأعلى: ١٠] وقال -عز وجل-: ((إِنَّمَا أَنْتَ مُنذِرُ مَنْ يَخْشَاهَا)) [النازعات: ٤٥] وأصرح من ذلك قوله تعالى: ((فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخَافُ وَعِيدِ)) [ق: ٤٥] فالإيمان بالوعد والوعيد وذكره شرط في الانتفاع بالعظات والآيات والعبر، مما يستحيل حصوله بدونه.
وفي تقييد الموعظة بالحسنة في الآية الكريمة: وهي قول الله عز وجل: ((ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ)) في تقييد الموعظة بالحسنة، هنا إشارة إلى أنه ليس كل موعظة حسنة، بل إن من المواعظ ما هو قبيح، وذلك حين تشتمل الموعظة على تعنيف المدعو، أو فضحه أو تعييره، أو حين تعرض بأسلوب فاحش مثير؛ ولذلك كان لا بد في الأسلوب الذي تعرض من خلاله الموعظة، من أن يكون أسلوبًا هادئًا لينًا رفيقًا، ولا بد كذلك من أن تعرض الموعظة بأسلوب متأدب، وهو الأسلوب الذي يدعو إلى المحامد وينهى عن المقابح.
ويحسن عرض القضايا بالألفاظ والجمل المتأدبة ذات المعاني السامية، والمفاهيم القيمة غير المبتذلة، ولا المسفة ولا الفاحشة، والمنزهة عن كل ما يخدش الحياء، ويجلب الخجل، ويبعد النفس عن التصورات والتخيلات المرذولة التي تفتح أبواب الإثارة الحيوانية.


٢.١ الموعظة الحسنة


شروط الموعظة الحسنة

فللموعظة الحسنة شروط لا بد من توافرها، حتى تخرج الموعظة حسنة مؤثرة.

أولًا: أن تساق في أسلوب يشتمل على الترغيب والترهيب

والترغيب: هو تحبيب المدعو في الإسلام ومبادئه، واستمالته نحو الالتزام به، والترهيب هو تخويف المدعو من التمادي في الانحراف، والبعد عن منهج الإسلام الحنيف، وقد روى الإمام أحمد في مسنده عن أبي أمامة -رضي الله عنه- قال: ((إن فتى شابًّا أتى النبي -صلى الله عليه وسلم- فقال: يا رسول الله، ائذن لي بالزنا، فأقبل القوم عليه فزجروه، وقالوا: مه مه! فقال -صلى الله عليه وسلم-: ادنه فدنا منه قريبًا، فجلس فقال -صلى الله عليه وسلم-: للشاب أتحبه لأمك؟ قال: لا والله يا رسول الله جعلني الله فداءك، قال: ولا الناس يحبونه لأمهاتهم، قال: أفتحبه لابنتك؟ قال: لا والله يا رسول الله جعلني الله فداءك، قال: ولا الناس يحبونه لبناتهم، قال: أفتحبه لأختك؟ قال: لا والله جعلني الله فداءك، قال: ولا الناس يحبوه لأخواتهم، أفتحبه لعمتك؟ قال: لا والله جعلني الله فداءك، قال: ولا الناس يحبونه لعماتهم، قال: أفتحبه لخالتك؟ قال: لا والله جعلني الله فداءك، قال: ولا الناس يحبونه لخالاتهم، قال: فوضع يده عليه، وقال: اللهم اغفر ذنبه، وطهر قلبه، وحصن فرجه، فلم يكن بعد ذلك الفتى يلتفت إلى شيء)) ...


٢.١ الموعظة الحسنة


... فقد رأى النبي -صلى الله عليه وسلم- في هذا الفتى، وقد جاءه مستئذنًا بالزنا ما يدل على أنه شاب ضعيف، اختل توازنه وسيطرت عليه غريزته، هذا من جهة،
لكنه من جهة أخرى كان لديه إيمان، جعله لا يقدم على هذه الجريمة، قبل الاستئذان من النبي -صلى الله عليه وسلم- فما كان منه -صلوات الله وسلامه عليه- إلا أن استعمل في علاجه الموعظة الحسنة، التي تقوم على المنهجين العاطفي والعقلي معًا.
الأول: من أجل استمالته لمزيد من الإيمان، الذي رأى -صلى الله عليه وسلم- أصله عنده.
والثاني: وهو المنهج العقلي من أجل إعادة التوازن إليه، من خلال مناقشته في أمر الزنا، وبيان أنه إذا كان خلقًا مشينًا لا يقبله الشاب على أهله، فلا ينبغي أن يرضاه للآخرين، الذين هم أيضًا لا يقبلونه على أهليهم، كذلك فقوله -صلى الله عليه وسلم-: ((ادنه)) وتقريبه منه ووضع يده عليه, ودعاؤه له كل ذلك من أساليب الترغيب، التي تحرك المشاعر, وتأسر القلوب وتستميل الوجدان, وهكذا اقتضت حكمة النبي -صلى الله عليه وسلم- في علاج الشاب بعد تيقنه من طبيعة مرضه، حتى أنقذه مما هو فيه، وأعاده إلى توازنه وصوابه.

٢.١ الموعظة الحسنة


أن تساق في أسلوب لين رفيق

أما الشرط الثاني -من شروط الموعظة الحسنة-: فهي أن تساق في أسلوب لين رفيق، فالنفوس مجبولة على الإقبال على من يتعامل معها باللين والرفق؛ فتنصت إليه وتسمع منه؛ بل تتودد إليه وتلتف حوله، والشدة قد تدفع إلى النفور والمكابرة والإعراض؛ فتأخذ النفس العزة بالإثم؛ وبالتالي فاللين في الدعوة والرفق بالمدعوين أسلوب لا يخيب في تحقيق أفضل النتائج التي يمكن أن يطمح إليها الداعية.
وقد أمر الله تعالى موسى وهارون -عليهما السلام- باستعمال هذا الأسلوب في دعوة فرعون، في قوله عز وجل: ((فَقُولا لَهُ قَوْلاً لَيِّناً لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى)) [طه: ٤٤] فكأن التذكر وكأن الخشية يرجوان عادة مع اللين في الدعوة، وليس مع الشدة فيها؛ ولذلك لم يقل الله تعالى لهما مثلاً فقولًا له قولًا شديدًا يتناسب مع طغيانه وجبروته، لعله يرجع أو يرتدع، وفي ذلك إشارة إلى أن الشدة في الدعوة لا تأتي بخير، وإلا لأمر الحق -جل وعلا- بها في دعوة فرعون، الذي بلغ من الفساد والانحراف مبلغًا لم يصل إليه غيره، وإذا كان الأسلوب اللين يمكن أن يرجى باستعماله مع فرعون أن يتذكر أو يخشى، فلا شك أن استعماله مع من دون فرعون في الطغيان والانحراف أرجى.
وقد استعمل النبي -صلى الله عليه وسلم- هذا الأسلوب في كثير من المواقف، نذكر منها موقفه -صلى الله عليه وسلم- من الأعرابي الذي بال في المسجد؛ إذ يروي البخاري عن أبي هريرة -رضي الله عنه- أن أعرابيًّا بال في المسجد، فثار إليه الناس ليقعوا به، فقال لهم النبي -صلى الله عليه وسلم-: (( دعوه وأهريقوا على بوله ذنوبًا من ماء، أو سجلًا من ماء؛ فإنما بعثتم ميسرين، ولم تبعثوا معسرين)).


٢.١ الموعظة الحسنة


ألا فلينظر دعاة اليوم إلى أي حد كان النبي -صلى الله عليه وسلم- رفيقًا بهذا الأعرابي، الذي يبول في المسجد، واضعًا النجاسة في بيت الله تعالى، الذي هو مكان الطهر، ومكان النقاء، والذي ينبغي أن تكون النجاسة أبعد شيء عنه، إنه صنيع يبعث على الغضب؛ ولهذا غضب الصحابة الذين رأوه وساروا إليه ليقعوا فيه، وقد يغضب لمثله دعاة اليوم مما قد يحملهم على الفتك بمن يصنعه، لكن حكمة نبي الهدى والرحمة -صلى الله عليه وسلم- اقتضت أن يسع برفقه ولينه وحلمه صنيع هذا الأعرابي، الذي لا يعرف خطأ ما صنع، فقال النبي -صلى الله عليه وسلم- لصحابته: ((دعوه)) وفي رواية مسلم: ((دعوه ولا تزرموه)) أي: لا تقطعوا عليه بوله، وفيه دلالة على حكمته ورحمته -صلى الله عليه وسلم- إذ لو قطعوا عليه بوله؛ لكان في ذلك ضرر صحي به، ولكان مدعاة لانتشار النجاسة، لعدم قدرة الأعرابي على التحكم في بوله وكتمه، حتى يخرج من المسجد، وبعد أن فرغ الأعرابي دعاه النبي -صلى الله عليه وسلم وأخذ يعلمه في رفق ولين، قائلًا له -كما في رواية مسلم-: ((إن هذه المساجد لا تصلح لشيء من هذا البول ولا القذر، إنما هي لذكر الله -عز وجل- والصلاة وقراءة القرآن)).


٢.١ الموعظة الحسنة


إن اللين والرفق في تعامل الداعية يجعل المدعو يقبل على الدعوة، ويؤمن بها، فقد روى البخاري ومسلم في صحيحيهما عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: بعث النبي -صلى الله عليه وسلم- خيلًا قبل نجد فجاءت برجل من بني حنيفة، يقال له: ثمامة بن أثان، فربطوه بسارية من سواري المسجد، فخرج إليه النبي -صلى الله عليه وسلم- فقال: ((ما عندك يا ثمامة؟ فقال: عندي خير يا محمد، إن تقتلني تقتل ذا دم، وإن تنعم تنعم على شاكر، وإن كنت تريد المال فسل منه ما شئت، فترك حتى كان الغد، ثم قال له: ما عندك يا ثمامة؟ قال: ما قلت لك، إن تنعم تنعم على شاكر، فتركه حتى كان بعد الغد، فقال له -صلى الله عليه وسلم-: ما عندك يا ثمامة؟ قال: ما قلت لك، فقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: أطلقوا ثمامة؛ فانطلق إلى نخل قريب من المسجد، فاغتسل، ثم دخل المسجد، فقال: أشهد أن لا إله الله وأشهد أن محمدًا رسول الله، يا محمد، والله ما كان على وجه الأرض وجه أبغض إليَّ من وجهك، فقد أصبح وجهك أحب الوجوه إليَّ، والله ما كان من دين أبغض إليَّ من دينك، فأصبح دينك أحبُّ الدين إليَّ، والله ما كان من بلد أبغض إليَّ من بلدك، فأصبح بلدك أحبَّ البلاد إليَّ، وإن خيلك أخذتني، وأنا أريد العمرة، فماذا ترى؟ فبشره رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وأمره أن يعتمر، فلما قدم مكة قال له قائل: صبوت! فقال: لا ولكن أسلمت مع محمد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ولا والله لا يأتيكم من اليمامة حبة حنطة، حتى يأذن فيها النبي -صلى الله عليه وسلم-)).


٢.١ الموعظة الحسنة


هذا هو ثمامة بن أثال يعامله النبي -صلى الله عليه وسلم- باللين وبالرفق، رغم أنه كان قد عرض لرسول الله -صلى الله عليه وسلم- فأراد قتله فدعا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ربه أن يمكنه منه، فلما مكنه الله تعالى منه، لم يقتله النبي -صلى الله عليه وسلم- رغم أنه كان رهن إشارة من يده، بل عامله معاملة حسنة، وأطلق سراحه، هكذا دون عقاب على ماض، أو تعنيف على تمرد، أو فداء بمال، فماذا كانت النتيجة؟ إن الرجل لينقلب من النقيض إلى النقيض، فبعد أن كان وجه النبي -صلى الله عليه وسلم- أبغض الوجوه إلي إذا به يصبح أحب الوجوه إليه، وبعد أن كان دينه -صلى الله عليه وسلم- أبغض الدين إليه، إذا به يصبح أحب الدين إليه، وبعد أن كان بلده -صلى الله عليه وسلم- أبغض البلاد إليه، إذا به يصبح أحبَّ البلاد إليه.
ما الذي حدث؟ إنه اللين، وإنه الرفق في الدعوة يحدث في المدعو ما لا يتوقعه أحد؛ فيتحول المدعو تحولًا كاملًا من الكفر إلى الإيمان، ومن البغض الشديد للإسلام ونبيه وأرضه، إلى الحب الصادق له، ومن العمل لهدم الدعوة إلى العمل لصالحها، وذلك ممثلاً في قول ثمامة: "والله لا يأتيكم من اليمامة حبة حنطة، حتى يأذن فيها النبي -صلى الله عليه وسلم-" ولولا أن النبي -صلى الله عليه وسلم- أذن ما دخل مكة حبة حنطة واحدة، تلك حقيقة واقعة.
وذلك درس عملي على الدعاة في هذا العصر أن يدرسوه وأن يستوعبوه وأن يدركوا من خلاله قيمة اللين والرفق، في الدعوة إلى الله تعالى، فيطبقوه في دعوتهم وفي عظهم، ويلتمسوا بأنفسهم ثماره اليانعة، وآثاره النافعة.


٢.١ الموعظة الحسنة


تأليف القلوب لها

أمَّا الشرط الثالث -من شروط الموعظة الحسنة-: فهي تأليف القلوب لها: النفس البشرية عنيدة وحشية، تقبل على من يتألفها، وتنفر ممن يشتد عليها، ولو كان في شدته مصلحتها، كما أنها تألف الاعوجاج، وتميل إلى التمرد وتكره النصح، ولا ترضى أن تنسب إلى الجهل، أو عدم المعرفة أو سوء التصرف، وتغضب إذا نبهت على خطأ، بل قد تجتهد في معاندة الحق وعدم الإقرار به، خشية انكشاف جهلها، ومن ثم فلا بد من التلطف في معاملتها، ومحاولة تأليفها على الحق، وأخذها إليه برفق حتى تؤمن به وتذعن له، وقد كان تأليف القلوب على الإسلام، أحد أساليب الدعوة التي استعملها النبي -صلى الله عليه وسلم- فقد روى البزار بسنده عن أبي هريرة -رضي الله عنه-: ((أن أعرابيًّا جاء إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- يستعينه في شيء -قال عكرمة: أراه قال في دم- فأعطاه رسول الله -صلى الله عليه وسلم- شيئًا، ثم قال: أحسنت إليك؟ فقال الأعرابي: لا ولا أجملت، فغضب بعض المسلمين، وهموا أن يقوموا إليه، فأشار إليهم رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أن كفوا، فلما قام -صلى الله عليه وسلم- وبلغ إلى منزله، دعا الأعرابي إلى البيت فقال: إنما جئت تسألنا فأعطيناك، فقلت ما قلت، فزاده رسول الله -صلى الله عليه وسلم- شيئًا، ثم قال: أحسنت إليك؟ فقال الأعرابي: نعم، فجزاك الله من أهل وعشيرة خيرًا، فقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: إنك جئتنا فسألتنا، فأعطيناك فقلت ما قلت، وفي أنفس أصحابي عليك من ذلك شيء، فإذا جئت فقل بين أيديهم، ما قلت بين يدي حتى يذهب عن صدورهم، فقال: نعم، فلما جاء الأعرابي، قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لأصحابه: إن صاحبكم كان جاءنا فسألنا فأعطيناه، فقال ما قال، وإنا قد دعوناه، فأعطيناه، فزعم أنه قد رضي، كذلك يا أعرابي، ...


٢.١ الموعظة الحسنة


... فقال الأعرابي: نعم، فجزاك الله من أهل وعشيرة خيرًا، فقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: إن مثلي ومثل هذا الأعرابي كمثل رجل كانت له ناقة فشردت عليه، فأتبعها الناس فلم يزيدوها إلا فرارًا، فقال لهم صاحب الناقة: خلوا بيني وبين ناقتي، فأنا أرفق بها وأنا أعلم بها، فتوجه إليها وأخذ لها من قشام الأرض ودعاها حتى جاءت، واستجابت وشد عليها رحلها، وإني لو أطعتكم، حيث قال ما قال لدخل النار)).
وقد روت كتب السيرة: أن العباس بن عبد المطلب في فتح مكة، أتى النبي -صلى الله عليه وسلم- بعد أن أسلم أبو سفيان، وشهد شهادة الحق، وقال: يا رسول الله، إن أبا سفيان رجل يحب الفخر فاجعل له شيئًا، فقال -صلى الله عليه وسلم-: ((نعم، وأمر مناديه فنادى: من دخل دار أبو سفيان فهو آمن، ومن أغلق بابه فهو آمن، ومن دخل المسجد فهو آمن)).
ويبدو من خلال ذلك أن النبي -صلى الله عليه وسلم- حين علم طبيعة أبي سفيان المحبة للفخر، رأى أن يتألف قلبه، وأن يستميله نحو الإسلام خصوصًا، وهو في قومه ذو منزلة وسيادة، وكان من عادة النبي -صلى الله عليه وسلم- أن ينزل الناس منازلهم، فأمر مناديه أن ينادي: من دخل دار أبي سفيان فهو آمن، ومن أغلق عليه بابه فهو آمن، ومن دخل المسجد فهو آمن، والحق أن الذي حدث، إنما هو مجرد إضافة اسم أبي سفيان على لسان المنادي، وإلا فمن دخل أي دار غير دار أبي سفيان وأغلق بابه عليه فهو آمن أيضًا.

٢.١ الموعظة الحسنة


ومن ثم فإن على الدعاة أن يتنبهوا إلى أن استمالة الناس، وتأليف قلوبهم نحو: منهج الله تعالى، لا يعني بطبيعة الحال تعدي حدود الدين وتعاليمه في ذلك، فلا ينبغي أن يمدحوا باطلًا، أو يتغافلوا عن حق، أو يتركوا واجبًا، أو يأتوا حرامًا، وهم يسيرون في هذا السبيل، وأن يتأسوا في ذلك برسول الله -صلى الله عليه وسلم- الذي كان يستميل الناس إليه، ويتألف قلوبهم نحوه، لكنه كان لا يتعدى في ذلك حدود الدين، ولا تعاليم الدين كما أن على الدعاة، كذلك أن يراعوا عدة أمور من شأنها أن تؤلف القلوب، منها ما سنذكره فيما يأتي:


٢.١ الموعظة الحسنة


أولاً: إشعار المدعو أنك تدعوه إلى مبدأ

لا إلى نفع شخصي، حين يشعر المدعو أن الداعية يهدف من خلال دعوته إلى ترسيخ مبادئ؛ صارت في عروقه وخالطت بشاشة قلبه وأنه يريد للناس أن يعتنقوها ويؤمنوا بها؛ لأنها الحق الذي فيه صلاحهم في الدنيا وسعادتهم في الآخرة، وأنه لا يريد من وراء ذلك منفعة مادية، ولا مصلحة شخصية حين يشعر الداعية المدعو بذلك فإن دعوته تنجح وتؤثر، وتصل إلى قلوب الناس وعقولهم، ومن ثم كان تأكيد كل نبي على أن دعوته، إنما هي لله تعالى، لا يهدف من خلالها إلى مغنم شخصي، أو مكسب مادي، فنراه يقول: كما يحكي القرآن الكريم : ((وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِي إِلاَّ عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ)) [الشعراء: ١٠٩].
قالها نوح -عليه السلام- وقالها من بعده هود وصالح وشعيب، ومن جاء بعدهم من رسل وأنبيائه -صلى الله عليهم جميعًا وسلم- قالها: كل داع إلى الله تعالى يطمئنهم بها، من ناحية الدنيا، وأعراضها فما له فيها من أرب بدعوتهم إلى الله، وما يطب منهم أجرًا جزاء هدايتهم إليه، فهو يطلب من رب الناس، الذي كلفه دعوة الناس، وهذا التنبيه على عدم طلب الأجر يبدو أنه كان دائمًا ضروريًّا للدعوة الصحيحة، تمييزًا لها مما عهده الناس في الكهان ورجال الأديان من استغلال الدين؛ لسلب أموال العباد، فأما دعوة الله الحقة، فكان دعاتها دائمًا متجردين، لا يطلبون أجرًا على الهدى، فأجرهم على رب العالمين.

٢.١ الموعظة الحسنة


إشعار المدعو أنك محب له حريص عليه

وأما الأمر الثاني -الذي ينبغي أن يتألف الداعية به مدعويه-: فهو إشعار المدعو أنك محب له حريص عليه، وهذا أمر في غاية الأهمية في تأليف القلوب، واستمالتها نحو منهج الإسلام الحنيف، فإذا أشعرت المدعو بأن دعوتك له قائمة على الحب؛
أولًا: لله تعالى الذي أنزل الدعوة الإسلامية.
وثانيًا: للرسول -صلى الله عليه وسلم- الذي نزلت عليه الدعوة.
وثالثًا: للإسلام الذي هو موضوع الدعوة.
ورابعًا: للمدعو الذي هو مطالب باعتناق الدعوة والالتزام بها من جهة أنه أخ لك، ينبغي أن تحبه وأن تحرص على ألا يضيعه الباطل؛ فيكون وقودًا لنار جهنم.
وخامسًا: للمجتمع الذي تعيش فيه، والذي يقوى وينهض بالصالحين، ويضعف ويهوى بالمفسدين، حين يشعر المدعو بهذا الحب الذي يحيط به الداعية، والذي تبدو مظاهره في أقواله وسلوكه تجاه المدعو، والذي يكتنف كذلك الدعوة بكل مساراتها، وأركانها وما يتصل بها فإنه لا يملك إلا أن يبادل الداعية حبًّا بحب؛ ليستجيب له، ويقترب منه، والذي يحب شخصًا يخاف عليه ويحرص على هدايته، وهو شعور كل نبي نحو قومه.

٢.١ الموعظة الحسنة


والذي يحكيه القرآن الكريم في قوله تعالى: ((إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ)) [الأعراف: من الآية: ٥٩] فهو الأخ الخائف عليهم: ((وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُوداً)) [الأعراف: من الآية: ٦٥] ((وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحاً)) [الأعراف: من الآية: ٧٣] ((وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْباً)) [الأعراف: من الآية: ٨٥] والأخ دائمًا يشفق على أخوته من عذاب يوم عظيم، وهو محب لهم حريص على نجاتهم، فرح بهدايتهم؛ لأنه أخوهم وهو واحد منهم، فكيف لا يخشى عليهم في يومهم وغدهم! وإن الداعية ليلمس كيف كان النبي -صلى الله عليه وسلم- حريصًا على هداية الناس إلى منهج الله تعالى، إلى حد أنه كادت تهلك نفسه، وتزهق روحه أسفًا على عدم استجابة قومه لما جاءهم به من الحق، فيقول له الوحي: ((فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفاً)) [الكهف: من الآية: ٦] ويقول له: ((فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ)) [فاطر: من الآية: ٨] يعني أتهلك نفسك يا محمد حزنًا على انصرافهم عن الحق، الذي جئتهم به إلى الباطل الذي جاءوا به من عند أنفسهم, ثم يذكره بمهمته وهي الإنذار فيقول له: ((إِنْ أَنْتَ إِلاَّ نَذِيرٌ)) [فاطر: ٢٣]. وينبهه إلى أن أمر الهداية ليس بيده، إنما هو بيد الله -عز وجل- فيقول: ((إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ)) [القصص: من الآية: ٥٦] كان ذلك من النبي؛ لحرصه الشديد على أمته، أدى هذا الحرص إلى حالة كادت نفس النبي -صلى الله عليه وسلم- تذهب من جرائها، وإذا بالحق -سبحانه وتعالى- يبين له في وضوح، أن أمر الهداية ليس بيده، إنما هو بيد الله عز وجل: ((إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ)).


٢.١ الموعظة الحسنة


إشعار المدعو بالتواضع له

الأمر الثالث -الذي يؤدي إلى تأليف القلوب وجمعها حول الداعية-: إشعار المدعو بالتواضع له، وعدم التكبر عليه، إن شعر المدعو بتكبر الداعية عليه، ما يقف حجر عثرة دون قبوله للدعوة، كما أنه يدفعه إلى العناد والمكابرة، تلك حقيقة يشعر بها كل من مارس الدعوة إلى الله تعالى؛ ولذلك قال عز وجل لرسوله -صلى الله عليه وسلم-: ((وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِين))[الحجر: من الآية: ٨٨] قال ابن عطية: هذه استعارة بمعنى لين جناحك، ووطئ أكنافك، وإن مما لا شك فيه أن تواضع الداعية، لمن أهم الوسائل الذي يتألف بها قلب المدعو؛ فيستجيب للحق؛ ويذعن إليه، وليس من الدعوة في شيء، الاستخفاف بالناس والتكبر عليهم، والاستهانة بهم، واحتقارهم والتقليل من شأنهم؛ فذلك أمر يتنافى يقينًا مع حكمة الداعية وبصيرته ورجاحة عقله.
ومن ثم أمرنا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أن ننزل الناس منازلهم؛ فنحترم كبير القوم، ونوقر سيدهم، ونعترف لصاحب الفضل فيهم بفضله، وقد روي عن عائشة -رضي الله عنه-: قالت: ((أمرنا رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: أن ننزل الناس منازلهم)).
لا شك أن هذه الأمور تؤدي إلى تأليف قلوب المدعوين، والتفافهم حول الداعية، مما يؤدي بالتالي إلى نجاحه في دعوته، وإلى وصول هذه الدعوة القائمة على الموعظة الحسنة، إلى قلوب الناس، والتأثير فيهم؛ وبالتالي ينجح الداعية في دعوته، وتنجح الموعظة الحسنة في التأثير في المدعوين.


٢.١ الموعظة الحسنة



٢.١ الموعظة الحسنة